في الصندوق

يويفا يصعّد ضد إنفانتينو ويبحث ورقة البدائل

تصعيد أوروبي جديد يضع رئاسة فيفا تحت الضغط

دخل الصراع بين الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ويويفا ورئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو مرحلة أكثر حدة في الأيام الأخيرة، بعدما تحولت الاعتراضات على مشروعه التجاري الأخير إلى مواجهة مفتوحة تمس مستقبل قيادة فيفا نفسها. فالأزمة لم تعد مرتبطة فقط برفض مقترح بعينه، بل اتسعت لتشمل حديثًا متزايدًا داخل أوروبا عن ضرورة منع تكرار مثل هذه التحركات، بل والبحث عن مرشح بديل في انتخابات الرئاسة المقبلة.

وبحسب ما أوردته وكالة أسوشيتد برس يوم 3 أغسطس 2026، فإن الاتحاد السويدي لكرة القدم أكد أن يويفا يعمل فعليًا على فكرة طرح مرشح بديل أمام إنفانتينو، في تطور يكشف أن الخلاف تجاوز مستوى الانتقاد الإعلامي إلى تحرك سياسي منظم داخل منظومة اللعبة. كما ذكرت الوكالة أن اتحادات يويفا الـ55 كانت قد اتفقت في ذروة الأزمة على التلويح بمقاطعة بطولات فيفا ما دام المقترح مطروحًا.

ما سبب الانفجار بين يويفا وفيفا؟

الخلفية المباشرة للأزمة كانت خطة دفع بها إنفانتينو لإنشاء كيان تجاري جديد يتولى إدارة حقوق ومسارات ربح عدد من بطولات فيفا الكبرى، مع دخول مستثمرين من القطاع الخاص بنسبة ملكية في هذا الكيان. ووفق التفاصيل التي نشرتها أسوشيتد برس، فإن التصور شمل بطولات بحجم كأس العالم وكأس العالم للأندية للرجال والسيدات، ضمن شركة قُدرت قيمتها بنحو 20 مليار دولار مقابل بيع حصة تصل إلى 20% لمستثمرين.

الاعتراض الأوروبي كان حادًا لأن هذه الفكرة، من وجهة نظر يويفا، لا تتعلق فقط بالحوكمة أو التمويل، بل تضرب توازن المنظومة الدولية بين فيفا والاتحادات القارية. فبطولات المنتخبات القارية مثل كأس أمم أوروبا، وكذلك الأجندة الدولية الخاصة بالمباريات والتصفيات، قد تصبح تحت ضغط أكبر إذا اتجه فيفا مستقبلًا إلى توسيع بطولاته أو زيادة وتيرتها من أجل تعظيم العوائد للمستثمرين. هذه المخاوف نفسها ظهرت أيضًا في تغطيات سابقة ربطت بين خطط إنفانتينو الحالية ومحاولات سابقة لتوسيع المسابقات الدولية بوتيرة أربكت الاتحادات والدوريات.

لماذا يهم هذا ملف المنتخبات تحديدًا؟

في قسم المنتخبات، تبدو هذه الأزمة مؤثرة بصورة مباشرة، لأن جوهر الخلاف يدور حول من يملك النفوذ الأكبر على روزنامة كرة القدم الدولية وعلى القيمة التجارية لبطولات المنتخب الوطني. أوروبا ترى أن قيمة بطولات مثل اليورو ودوري الأمم الأوروبية والتصفيات القارية لا يمكن فصلها عن مكانة الاتحادات القارية، بينما يسعى فيفا منذ سنوات إلى توسيع حضوره في سوق البطولات الدولية، سواء عبر زيادة عدد المنتخبات أو تطوير مسابقات جديدة أو رفع عدد المباريات الكبرى.

وبالنسبة للقارئ المصري، فالمسألة ليست بعيدة عن مصالح المنتخبات الأفريقية والعربية. أي تغيير جذري في شكل سلطة فيفا أو علاقته بالاتحادات القارية سيترك أثره على التصفيات المؤهلة لكأس العالم، وعلى مواعيد البطولات القارية، وعلى توزيع العوائد المالية والتسويقية التي تعتمد عليها اتحادات كثيرة في برامج التطوير.

أين يقف إنفانتينو الآن؟

رغم تراجع إنفانتينو عن خطته بعد موجة الرفض الواسعة، فإن الضربة السياسية لم تنتهِ. أسوشيتد برس ذكرت أن يويفا أصدر موقفًا واضحًا بعد إسقاط المشروع، مؤكدًا أن المهمة التالية هي وضع آلية تمنع تكرار ما حدث. كما أشارت إلى أن الاتحادات الأوروبية رأت في الخطة فشلًا قياديًا يهدد دور فيفا كحارس على مصالح اللعبة لا كبائع لأصولها التجارية.

وفي المقابل، يظل إنفانتينو (@gianni_infantino على إنستغرام) رئيسًا لفيفا وصاحب حضور قوي داخل الجمعية العمومية، خاصة أنه أعلن رسميًا في 1 مايو 2026 خلال أعمال الكونغرس الـ76 في فانكوفر عزمه الترشح مجددًا في انتخابات 2027. الموقع الرسمي لفيفا أكد وقتها أن إنفانتينو أبلغ الاتحادات الأعضاء الـ211 بنيته خوض السباق المقبل.

هل المسألة انقلاب أوروبي فقط؟

الأزمة تقودها أوروبا بلا شك، لكن الصورة ليست أوروبية خالصة. تقارير أسوشيتد برس أوضحت أن الاتحاد الآسيوي والكونكاكاف أبديا أيضًا اعتراضات قوية على المشروع، وهو ما يعني أن إنفانتينو واجه في هذه الجولة رفضًا عابرًا للقارات، حتى لو بقي يويفا رأس الحربة. كما أن رسالة رئيس الاتحاد الآسيوي الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة شددت، وفق الوكالة، على أن أي مبادرة بهذا الحجم لا يمكن أن تنجح من دون دعم الاتحادات القارية كافة.

هذا المعطى مهم لأنه يكشف أن معركة الرئاسة المقبلة، إن تصاعدت، لن تُحسم فقط داخل أوروبا، بل ستحتاج إلى بناء تحالفات انتخابية أوسع داخل إفريقيا وآسيا والأمريكيتين. ومن هنا يمكن فهم سبب انتقال الخطاب من مجرد رفض مشروع استثماري إلى حديث عن مرشح بديل وعن إعادة رسم التوازن داخل السياسة الكروية العالمية.

كيف تنظر مصر وإفريقيا إلى هذه التطورات؟

في السياق المصري، يبرز عامل مهم هو أن ملف توسيع بطولات فيفا ومكانة المنتخبات غير الأوروبية لا يُقرأ دائمًا بالمنظار نفسه الذي تتبناه أوروبا. ففي يونيو 2026، نشر بوابة الأهرام بيانًا أظهر اصطفاف عدد من الاتحادات المتأهلة إلى كأس العالم، بينها مصر، ضد تصريحات رئيس يويفا ألكسندر تشيفرين بشأن بعض مباريات المونديال الموسع، ما يعكس أن العلاقة بين أوروبا وبقية القارات ليست مستقرة حتى حين تتقاطع المصالح ضد فيفا في ملف معين.

لذلك، فإن أي قراءة مصرية واقعية للمشهد يجب أن تفرّق بين رفض المساس باستقلالية بطولات المنتخبات، وبين التسليم الكامل بالأجندة الأوروبية. مصر وبقية اتحادات إفريقيا معنية بحماية وزن البطولات القارية والتصفيات، لكنها كذلك حريصة على عدم تحول الصراع إلى معركة نفوذ تُقصي مصالح الاتحادات خارج القارة العجوز.

الورقة الأخطر: البطولات البديلة والضغط بالمقاطعة

أقوى ما استخدمه يويفا في هذه الأزمة لم يكن مجرد البيانات، بل التلويح العملي بسحب الشرعية التنافسية من بطولات فيفا عبر المقاطعة. فنجاح أي بطولة عالمية للمنتخبات يعتمد في النهاية على حضور القوى الكبرى وجاذبيتها الجماهيرية والتسويقية. وقد أثبت التلويح الأوروبي بهذه الورقة فعاليته عندما تراجع إنفانتينو عن المشروع خلال أيام قليلة فقط من تصاعد الأزمة.

ومن الناحية النظرية، فإن الحديث عن بطولات بديلة لا يعني بالضرورة إعلان مسابقة جديدة غدًا، بل قد يبدأ عبر تقوية البطولات القارية القائمة، وتعزيز رزنامتها، ورفع قيمتها التجارية، بما يحد من قدرة فيفا على فرض توسعات جديدة تمس مباريات المنتخبات. يويفا كان قد أقر بالفعل في 2026 مفهومًا جديدًا لمسابقات المنتخبات للرجال اعتبارًا من 2028، في خطوة تؤكد أنه يعمل على تطوير نظامه القاري بالتوازي مع صراعه مع فيفا.

ما الذي يمكن ترقبه في المرحلة المقبلة؟

  • أولًا: متابعة ما إذا كان يويفا سينجح فعلًا في توحيد جبهة انتخابية خلف اسم واحد لمنافسة إنفانتينو.
  • ثانيًا: رصد موقف الاتحاد الإفريقي والاتحادات العربية، لأن أصوات هذه الكتلة قد تكون حاسمة في انتخابات 2027.
  • ثالثًا: مراقبة أي تعديلات جديدة على رزنامة المباريات الدولية أو بطولات المنتخبات، لأن هذا هو الميدان الحقيقي للصراع.
  • رابعًا: تقييم ما إذا كان التراجع عن الخطة الأخيرة مجرد هدنة، أم بداية لتحول أعمق في طريقة إدارة فيفا لعلاقته بالاتحادات القارية.

الخلاصة أن الأزمة الحالية لا تخص شخص جياني إنفانتينو وحده، بل تتعلق بسؤال أكبر: من يملك مستقبل كرة القدم الدولية وبطولات المنتخبات؟ حتى الآن، نجح يويفا في كسب جولة مهمة بإسقاط المشروع الاستثماري، لكنه لم يحسم الحرب السياسية بعد. أما إنفانتينو، فرغم الضربة القوية، لا يزال في السباق رسميًا نحو انتخابات 2027، ما يعني أن الأشهر المقبلة قد تحمل واحدة من أكثر المواجهات سخونة في تاريخ إدارة اللعبة.