ماذا بعد الزخم؟ كيف يستفيد منتخب مصر من تجربة المغرب
بين لحظة الإنجاز وسؤال المستقبل
في كرة القدم، أخطر ما يمكن أن يحدث بعد أي مشاركة جيدة هو الاكتفاء بالاحتفال وترك الأسئلة الكبيرة معلقة. ما يحتاجه منتخب مصر اليوم ليس فقط الإشادة بما تحقق في الفترات الأخيرة، بل تحويل الزخم إلى خطة عمل طويلة المدى، تبدأ من توسيع قاعدة الاختيار، ولا تنتهي عند تطوير الأكاديميات والبنية الفنية. هذا النقاش عاد بقوة في الشارع الرياضي المصري بعد بروز أسماء قادرة على إضافة بعد مختلف للمنتخب، وفي مقدمتها هيثم حسن، اللاعب الذي لفت الأنظار مع مصر بعد مسيرة سابقة في منتخبات فرنسا السنية، بينها المشاركة في كأس العالم تحت 17 سنة بالبرازيل عام 2019 وفق الاتحاد الفرنسي لكرة القدم.
الفكرة هنا ليست البحث عن حل سحري أو سريع، بل النظر إلى نموذج أفريقي نجح في الجمع بين أمرين: استقطاب اللاعبين مزدوجي الجنسية، والعمل في الوقت نفسه على صناعة لاعب محلي أكثر جاهزية. وعندما يُذكر هذا النموذج، فإن المغرب يفرض نفسه بقوة.
لماذا تبدو التجربة المغربية جديرة بالدراسة؟
المنتخب المغربي لم يحقق حضوره العالمي والقاري الأخير بالمصادفة. في كأس العالم 2022 بقطر، بلغ أسود الأطلس نصف النهائي كأول منتخب أفريقي وعربي يحقق هذا الإنجاز، بعد إقصاء البرتغال في ربع النهائي يوم 10 ديسمبر 2022. كما أن قائمة المغرب في مونديال 2022 ضمت عددًا كبيرًا من اللاعبين المولودين خارج البلاد، وهو ما عكس نجاحًا واضحًا في إدارة ملف اللاعبين ذوي الأصول المغربية في أوروبا. بيانات القوائم المنشورة وقتها تُظهر اتساع حضور هذه الشريحة داخل الفريق.
الأهم أن الأمر لم يتوقف عند المنتخب الأول. على مستوى الفئات السنية، واصل المغرب حضوره القوي؛ فقد تُوج بلقب كأس أمم أفريقيا تحت 17 سنة للمرة الأولى في تاريخه يوم 19 أبريل 2025 بعد الفوز على مالي بركلات الترجيح في المحمدية، كما سبق له التأهل إلى نهائي نسخة 2023، وحقق منتخب الشباب والأولمبي نتائج لافتة خلال الأعوام الأخيرة. هذا التسلسل يوضح أن النجاح لم يكن وليد جيل واحد، بل نتيجة عمل ممتد.
الاستقطاب وحده لا يكفي
رغم ذلك، فإن الاكتفاء بضم اللاعبين مزدوجي الجنسية دون بناء قاعدة محلية قوية يبقى رهانًا ناقصًا. لهذا تبدو التجربة المغربية أكثر إقناعًا لأنها لم تعتمد على الاستقطاب فقط، بل دعّمته بمشروع تكويني واضح. الاتحاد الدولي لكرة القدم ومواد الاتحاد الأفريقي أبرزا دور أكاديمية محمد السادس، التي تأسست عام 2009، في صقل مواهب خرج منها أسماء بارزة مثل عز الدين أوناحي ونايف أكرد ويوسف النصيري. كما تشير تقارير فيفا وكاف إلى أن الأكاديمية كانت جزءًا أساسيًا من نهضة الكرة المغربية خلال العقد الأخير.
هنا تحديدًا تبدو الرسالة مهمة بالنسبة لمصر: اللاعب المصري في الداخل يجب أن يحصل على تعليم كروي أفضل، لكن هذا لا يمنع في الوقت نفسه من فتح الباب بشكل احترافي أمام المواهب المصرية بالخارج، خاصة في فرنسا وبلجيكا وهولندا وألمانيا وإنجلترا.
هيثم حسن.. نموذج عملي لما يمكن أن تضيفه الجاليات
إذا كان النقاش نظريًا لدى البعض، فإن اسم هيثم حسن جعله أكثر واقعية. اللاعب صاحب الأصول المصرية مرّ بتكوين أوروبي، وسبق له تمثيل فرنسا تحت 17 سنة في مونديال 2019، وهو ما يؤكد أنه لم يكن مجرد اسم عابر في سوق المواهب، بل لاعبًا حظي بتقدير مبكر داخل المنظومة الفرنسية.
وبالنسبة للمتابع المصري، فإن قيمة هذا النوع من اللاعبين لا تكمن فقط في المهارة الفردية، بل في السرعة في اتخاذ القرار، والقدرة على اللعب في المساحات الضيقة، والاعتياد على إيقاع أعلى في التدريب والمباريات. هذه العناصر تحديدًا هي ما تحتاجه المنتخبات التي تريد تقليص الفجوة مع المدارس الكروية الكبرى. وحتى في حضور هيثم مع مصر في الاستحقاقات الأخيرة، بدا واضحًا أنه يمنح الفريق حلولًا مختلفة على الأطراف وبين الخطوط. كما أن ظهوره مع مصر في كأس العالم 2026 ضمن التقارير الفنية الخاصة بمباراة أستراليا يعكس استمرار حضوره في الصورة الدولية.
ما الذي يمكن أن تفعله مصر الآن؟
المطلوب ليس حملة مؤقتة للبحث عن أسماء مصرية في الخارج قبل كل بطولة، وإنما هيكل دائم يعمل طوال العام. التجارب الناجحة عادة تبدأ من قاعدة بيانات شاملة، ثم متابعة دقيقة، ثم تواصل مبكر مع اللاعب وعائلته ووكيله، مع تقديم تصور واضح لمساره داخل المنتخبات السنية ثم المنتخب الأول.
خطوات عملية يمكن البناء عليها
- تأسيس وحدة متخصصة للمواهب بالخارج داخل الاتحاد المصري لكرة القدم، مهمتها الحصر والمتابعة والتواصل.
- البدء مبكرًا مع اللاعبين الصغار بدل انتظار حسمهم مستقبلهم الدولي مع منتخبات أوروبية.
- ربط الاستقطاب بالتطوير المحلي حتى لا يتحول الملف إلى بديل سهل عن إصلاح القاعدة.
- توسيع شبكة الكشافين في الدوريات السنية بفرنسا وبلجيكا وهولندا، حيث تتركز جاليات عربية وأفريقية كبيرة.
- تقديم مشروع رياضي مقنع للاعب، لأن الانتماء وحده لم يعد يكفي في كرة القدم الحديثة.
المغرب يواصل الحصاد.. ومصر مطالبة بسرعة التحرك
من العلامات الدالة على نجاح التخطيط المغربي أن الملف لم يعد مقتصرًا على ضم لاعبين لم يجدوا فرصة مع منتخبات أوروبية كبرى، بل وصل إلى استقطاب أسماء واعدة للغاية. ففي مايو 2026 أُعلن رسميًا تأهيل أيوب بوعدي لتمثيل المغرب رياضيًا، وهو لاعب خط وسط ليل الفرنسي الذي حظي باهتمام واسع في أوروبا، ثم ظهر لاحقًا مع المنتخب المغربي في كأس العالم 2026 وفق تغطيات فيفا. هذه النقطة مهمة لأن الجاذبية هنا لم تعد مجرد فرصة بديلة، بل أصبحت جزءًا من مشروع قادر على إقناع لاعب شاب بمستقبل تنافسي.
في المقابل، تمتلك مصر قاعدة بشرية كبيرة في الخارج، لكنها لم تستثمر هذا الملف تاريخيًا بالقدر الكافي. وإذا أراد المنتخب المصري أن يحافظ على تنافسيته قارّيًا، خصوصًا مع التطور المتسارع في المغرب والسنغال وكوت ديفوار ونيجيريا، فإن تأخير هذا الملف لم يعد رفاهية.
الخلاصة: لا تعارض بين اللاعب المحلي والمزدوج الجنسية
الجدل في مصر يُصاغ أحيانًا بشكل خاطئ، كأن الاختيار بين تطوير اللاعب المحلي أو ضم المواهب مزدوجة الجنسية هو معادلة صفرية. الحقيقة أن التجارب الناجحة تقول العكس. المغرب تقدم لأنه جمع بين الأمرين: بنية تكوين أفضل، ومشروع ذكي لجذب المواهب في أوروبا. ومصر تستطيع أن تفعل الشيء نفسه إذا تحركت بعقلية مؤسسة لا برد فعل مؤقت.
بعد كل زخم، يأتي السؤال الأهم: ماذا بعد؟ بالنسبة لمنتخب مصر، الإجابة قد تبدأ من الخارج، لكنها بالتأكيد يجب أن تنتهي داخل الملعب المصري، في المدارس والناشئين والأكاديميات ومراكز التدريب. هناك فقط يمكن تحويل الومضة إلى مشروع، واللحظة الجيدة إلى استمرارية حقيقية.