في الصندوق

جهاد جريشة يهاجم واقع التحكيم بعد خروجه من لجنة الحكام

جريشة يودع اللجنة ويفتح باب الجدل

عاد ملف التحكيم المصري إلى الواجهة من جديد، بعدما أعلن الحكم الدولي السابق جهاد جريشة انتهاء مهمته داخل لجنة الحكام الرئيسية بالاتحاد المصري لكرة القدم، بالتزامن مع قرار مجلس إدارة الاتحاد توجيه الشكر إلى اللجنة بالكامل التي كان يتصدرها الكولومبي أوسكار رويز. الخطوة لم تمر بهدوء، إذ تبعها بيان مطول من جريشة حمل انتقادات مباشرة لطريقة إدارة الملف، وتحدث فيه عن اختلال ميزان العدالة بين الحكام ورفضه لأي وصاية أو تدخلات من خارج المنظومة.

ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة في توقيت حساس، لأن اتحاد الكرة بدأ بالفعل تجهيزات الموسم الجديد 2026-2027، سواء عبر الفحوص الطبية للحكام أو اختبارات اللياقة، ما يعني أن مرحلة ما بعد رحيل اللجنة السابقة ستكون مؤثرة في شكل إدارة المسابقات المصرية خلال الشهور المقبلة.

ماذا حدث رسميًا داخل اتحاد الكرة؟

الاتحاد المصري لكرة القدم أعلن في 14 يوليو 2026 توجيه الشكر إلى أعضاء لجنة الحكام واللجنة الفنية التابعة لها، بعد نهاية الموسم، مع إسناد مهمة تسيير الأعمال مؤقتًا إلى إدارة الحكام لحين إعادة تشكيل اللجنة الجديدة قبل نهاية يوليو. كما أوضحت المتابعات الصحفية أن التشكيل الذي غادر ضم أوسكار رويز، ووجيه أحمد، وجهاد جريشة، وهيام بركة، وسيد مراد، بينما تتولى إدارة الحكام العمل مؤقتًا برئاسة عزب حجاج.

وكان أوسكار رويز قد تولى رئاسة لجنة الحكام في فبراير 2025، في خطوة وقتها اعتُبرت محاولة لتهدئة غضب الأندية ورفع كفاءة المنظومة عبر الاستعانة بخبرة دولية. لكن نهاية التجربة جاءت بعد موسم شهد نقاشًا واسعًا حول مستوى التحكيم ومعايير التقييم والاختيار.

أبرز ملامح القرار الرسمي

  • تاريخ إعلان الرحيل: 14 يوليو 2026.
  • رئيس اللجنة المنتهية ولايتها: أوسكار رويز.
  • الوضع الحالي: إدارة الحكام تتولى التسيير بشكل مؤقت.
  • الهدف المعلن: إعادة تشكيل لجنة جديدة قبل نهاية يوليو.

مضمون رسالة جهاد جريشة بعد الرحيل

جريشة لم يكتفِ بإعلان انتهاء مهمته، بل قدم ما وصفه بكشف حساب عن فترة امتدت لنحو عام ونصف داخل اللجنة. وفي روايته، أشار إلى أنه نبه مبكرًا إلى وجود خلل في ميزان العدالة بين الحكام، وذكر أنه بعث برسالة إلى المهندس هاني أبو ريدة يوم 16 فبراير 2026 يحذر فيها من السير في مسار خاطئ يخص إدارة التحكيم.

كما أوضح أنه التزم بعرض آرائه داخل الغرف المغلقة، وأنه لم يكن موافقًا على عدد من القرارات التي جرى اتخاذها بالأغلبية داخل اللجنة. وبحسب ما أورده في بيانه، فإن الأمور تغيرت بعد فبراير، وهو التوقيت الذي اعتبره نقطة تحول أثرت على تكافؤ الفرص بين الحكام وعلى مستوى التوفيق داخل الملعب.

اللافت أيضًا أن جريشة شدد على رفضه الكامل لفكرة التدخلات الخارجية، معتبرًا أن أي تأثير يأتي من خارج اتحاد الكرة أو لجنة الحكام يمثل مدخلًا رئيسيًا للفشل، كما دعا إلى عدالة قائمة على الأداء والعمل فقط، بعيدًا عن الوساطة أو المحسوبية.

العبارة الأكثر إثارة: ماذا يقصد بـ"الفرنجة في مصر"؟

العبارة التي أثارت الانتباه في الجدل الدائر حول بيان جريشة هي حديثه عن وجود ذهنية تجعل القرار التحكيمي عرضة لتأثيرات من خارج الإطار المحلي. ورغم أن الصياغات المتداولة حملت نبرة حادة، فإن الثابت في جوهر رسالته هو اعتراضه على أي نفوذ غير مؤسسي في إدارة ملف الحكام، سواء كان محليًا أو أجنبيًا، وهو ما يفتح نقاشًا أوسع داخل الكرة المصرية حول حدود الاستعانة بالخبرات الخارجية، والفارق بين التطوير الفني المشروع وبين المساس باستقلال القرار.

ومن زاوية أوسع تهم القارئ في قسم الأفريقية والعربية، فإن هذا الجدل ليس مصريًا خالصًا؛ إذ تعاني اتحادات عربية وإفريقية عدة من الأسئلة نفسها: من يدير التحكيم؟ وكيف توضع معايير التقييم؟ وهل تكفي الأسماء الأجنبية لصناعة الثقة، أم أن النجاح يبدأ من الحوكمة والشفافية؟

لماذا يكتسب موقف جريشة وزنًا خاصًا؟

جهاد جريشة ليس اسمًا عابرًا في المشهد التحكيمي. فهو من أبرز الحكام المصريين في العقدين الأخيرين، وسبق له الظهور على الساحة الدولية ضمن قائمة فيفا، كما أدار مباريات كبرى في بطولات قارية ودولية، من بينها مشاركته في كأس العالم 2018. لذلك، فإن صدور هذه الانتقادات من شخصية عايشت التحكيم المصري من الداخل والخارج يمنحها ثقلًا إضافيًا، حتى لو ظلت في النهاية وجهة نظر طرف غادر موقعه.

وفي الأسابيع الأخيرة، كان جريشة حاضرًا أيضًا في النقاشات المتعلقة بالتحكيم على المستوى الدولي، بعدما انتقد أداء بعض الحكام في مونديال 2026 خلال مداخلات إعلامية، ما يعكس أن موقفه الحالي لا ينفصل عن قناعة معلنة لديه بوجود أزمة أوسع في الشفافية والاستقرار التحكيمي.

ما الذي ينتظر لجنة الحكام الجديدة؟

التحدي الآن أمام اتحاد الكرة لا يقتصر على اختيار أسماء جديدة، بل يمتد إلى بناء تصور واضح لإدارة المنظومة. فالاتحاد بدأ بالفعل خطوات الاستعداد للموسم المقبل؛ إذ أعلن انطلاق الكشف الطبي الشامل للحكام يوم 9 يوليو 2026، كما تحددت اختبارات اللياقة البدنية يومي 29 و30 يوليو على ملعب نادي النصر بمصر الجديدة، وهي إجراءات أساسية قبل اعتماد الحكام للمشاركة في الموسم الجديد.

لكن الجاهزية البدنية وحدها لا تكفي. فالأندية والجماهير تنتظر وضوحًا أكبر في ملفات مثل:

  • معايير اختيار الحكام للمباريات الحساسة.
  • أسس التقييم والمحاسبة بعد كل جولة.
  • حدود دور الخبراء الأجانب داخل المنظومة.
  • آليات حماية القرار التحكيمي من الضغوط.
  • تطوير حكام الساحة وتقنية الفيديو بالتوازي.

بين التطوير والشفافية.. أصل الأزمة

القضية في جوهرها ليست مجرد رحيل لجنة أو غضب عضو سابق، بل صراع مستمر بين مطلبين: التطوير الفني والعدالة المؤسسية. التجربة التي قادها أوسكار رويز بدأت على وقع آمال كبيرة بإعادة الانضباط للملف التحكيمي، لكن النهاية كشفت أن الاستعانة بخبرة أجنبية وحدها لا تضمن النجاح إذا ظلت الأسئلة القديمة مطروحة حول استقلال القرار وتكافؤ الفرص.

ومن هنا، تبدو رسالة جهاد جريشة بمثابة جرس إنذار جديد داخل كرة القدم المصرية. فهي لا تتوقف عند حدود الخلاف الشخصي أو الإداري، بل تطرح مجددًا ملفًا تعرفه جماهير المنطقة العربية والإفريقية جيدًا: لا ثقة في التحكيم من دون شفافية، ولا تطوير حقيقي من دون نظام واضح للمساءلة.

ومع اقتراب إعلان التشكيل الجديد للجنة الحكام، ستبقى الأنظار موجهة إلى اتحاد الكرة برئاسة هاني أبو ريدة لمعرفة ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد مجرد تغيير أسماء، أم بداية مراجعة أعمق لمنظومة ظلت لسنوات أحد أكثر ملفات الكرة المصرية سخونة وتعقيدًا.