في الصندوق

جهاد جريشة يهاجم آلية اختيار الحكام ويكشف سبب رفضه الاستقالة

جهاد جريشة يعيد فتح ملف التحكيم المصري

عاد اسم الحكم الدولي المصري السابق جهاد جريشة إلى الواجهة بعد تصريحات جديدة تناول فيها كواليس عمله السابق داخل لجنة الحكام باتحاد الكرة، مؤكدًا أن وجود التحليل التحكيمي في المشهد الإعلامي والفني ليس أمرًا سلبيًا، بل عنصرًا مساعدًا يمكن أن يدعم تطوير الأداء ويمنح لجنة الحكام قراءة أوضح للحالات الجدلية. وتأتي هذه التصريحات في وقت لا يزال فيه ملف التحكيم من أكثر الملفات حساسية في الكرة المصرية، خاصة مع الجدل المتكرر حول التعيينات، وأداء الحكام، ودور تقنية الفيديو في مباريات الدوري الممتاز.

حديث جريشة اكتسب أهمية إضافية لأن الرجل ليس اسمًا عابرًا في هذا الملف؛ فهو من أبرز الحكام المصريين في السنوات الأخيرة، وسبق اختياره ضمن قائمة حكام كأس العالم 2018 في روسيا، كما أشار في تصريحات سابقة إلى أنه شارك خلال مسيرته في خمس نسخ من كأس الأمم الأفريقية وبطولتي كأس عالم للشباب إلى جانب أولمبياد ريو دي جانيرو، قبل أن يعلن اعتزاله التحكيم الميداني في 2021.

ماذا قال جريشة عن اختيار حكام الدوري؟

الزاوية الأبرز في تصريحات جريشة تمثلت في حديثه عن آلية اختيار الحكام لمباريات الدوري، إذ أكد أن الكولومبي أوسكار رويز كان يختار حكام المسابقة بنفسه خلال فترة عمله داخل اللجنة، في إشارة إلى مركزية القرار الفني داخل المنظومة آنذاك. هذا الطرح يكتسب دلالة خاصة لأن اتحاد الكرة المصري أعلن رسميًا تعيين رويز رئيسًا للجنة الحكام بقرار صدر في 21 فبراير 2025، على أن يتولى مهمته فعليًا بدءًا من 4 مارس 2025.

كما أن التشكيل الذي استقر عليه رويز في أغسطس 2025 ضم جهاد جريشة عضوًا في لجنة الحكام، إلى جانب محمد الحنفي ومحمد يوسف ومحمود رضا، مع وجود وجيه أحمد نائبًا لرئيس اللجنة، بحسب ما نُشر وقتها عن الهيكل الجديد للجنة. هذا يعني أن جريشة كان جزءًا من المنظومة الرسمية في مرحلة مفصلية شهدت إعادة ترتيب داخل اللجنة.

رفض الاستقالة.. لماذا تمسك بالبقاء؟

في تصريحاته، أوضح جريشة أنه رفض الاستقالة، مبررًا ذلك برغبته في الاستمرار من الداخل بدلًا من ترك الساحة في توقيت حساس. ورغم أن نص حديثه المتداول ركز على موقفه من الاستقالة أكثر من التفاصيل الإجرائية، فإن مواقفه العلنية في الأسابيع الأخيرة تعكس تمسكه بفكرة الإصلاح من داخل المنظومة، لا سيما مع انتقاده ما وصفه بالتدخلات ورفضه وجود أي وصاية خارج الإطار الرسمي للجنة الحكام واتحاد الكرة.

وفي بيان علني منسوب إليه بعد خروجه من اللجنة، شدد جريشة على ضرورة أن تكون العدالة هي الأساس في تقييم الحكام، وأن يحصل المجتهد على فرصته، بينما يُحاسب المخطئ وفقًا للمعايير الفنية، مع الابتعاد عن المجاملات أو فرض الأسماء. هذا السياق يفسر، على الأرجح، سبب تمسكه بعدم الرحيل مبكرًا، باعتبار أن الاستقالة في مثل هذه الظروف كانت ستعني، من وجهة نظره، التخلي عن فرصة التأثير في ملف شديد التعقيد داخل الكرة المصرية.

التحليل التحكيمي.. أداة مساعدة أم عبء إضافي؟

واحدة من أهم النقاط التي أثارها جريشة تتعلق بالنظرة إلى التحليل التحكيمي في البرامج الرياضية. فبحسب رؤيته، هذا النوع من التحليل لا يضر الحكام، بل يساعد لجنة الحكام نفسها، لأنه يفتح باب النقاش الفني حول الحالات المثيرة للجدل ويمنح الجمهور والأندية تفسيرًا أهدأ للقرارات. وهذه الفكرة تتقاطع مع الجدل المستمر في مصر حول الشفافية: هل الأفضل الاكتفاء بالتقييم الداخلي، أم توسيع دائرة الشرح العلني؟

المفارقة أن أوسكار رويز كان قد أعلن في مايو 2025 رفضه لفكرة إعلان العقوبات الموقعة على الحكام، موضحًا أن الخطأ المؤثر تتم معالجته داخليًا عبر الاستبعاد أو التقييم، وأن نشر العقوبات قد يضر بثقة الحكم بنفسه. كما أكد وقتها أن اختيار الحكام يتم وفق معايير فنية وبدنية ونفسية، مع مراعاة طبيعة المباريات وعدم تكرار نفس الحكم مع الفرق نفسها بصورة تثير الحساسية.

من هنا يظهر الفارق بين المدرستين: مدرسة تميل إلى الشرح والمكاشفة بصورة أوسع، وهي الفكرة التي دافع عنها جريشة في أكثر من مناسبة، وأخرى تفضل المعالجة الداخلية حفاظًا على استقرار المنظومة. وفي الحالتين، يبقى التحدي الحقيقي هو استعادة الثقة العامة في التحكيم المحلي.

جهاد جريشة ومسيرة صنعت ثقله في الملف

الحديث عن آراء جريشة لا ينفصل عن وزنه المهني. فالحكم المصري السابق، الذي ارتبط اسمه بمحطات قارية ودولية بارزة، ظل لسنوات من أبرز الوجوه المصرية في ساحة التحكيم. واختيار فيفا له ضمن قائمة حكام مونديال روسيا 2018 كان محطة فارقة في مسيرته، كما أن مسيرته الطويلة منحت تصريحاته الحالية قدرًا كبيرًا من الاهتمام داخل الوسط الرياضي المصري.

وبالنسبة للقارئ المصري، فإن أهمية هذه الخلفية لا تتعلق فقط بالسيرة الذاتية، بل بكونها تمنح صاحب التصريحات خبرة مباشرة في التعامل مع ضغوط الدوري المحلي، ومتطلبات البطولات القارية، ومعايير الاتحادين الأفريقي والدولي في تقييم الحكام. ولهذا تبدو ملاحظاته عن التعيينات، والتقييم، والتحليل التحكيمي جزءًا من نقاش أكبر يتجاوز واقعة بعينها إلى سؤال أوسع: كيف يمكن بناء منظومة تحكيم أكثر استقرارًا وعدالة في مصر؟

إلى أين يتجه ملف التحكيم في مصر؟

الملف لا يزال مفتوحًا على أكثر من اتجاه. اتحاد الكرة برئاسة هاني أبو ريدة كان قد دخل مرحلة جديدة مع إعادة ترتيب عدد من الملفات الإدارية والفنية منذ أواخر 2024، فيما ظل التحكيم في قلب النقاش بسبب شكاوى الأندية وتكرار المطالبة بالحكام الأجانب في بعض المباريات الحساسة.

وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات جريشة أهمية لأنها لا تتوقف عند انتقاد الماضي، بل تلامس أسئلة الحاضر: من يختار الحكام؟ وكيف تُدار الأخطاء؟ وما حدود الشفافية المطلوبة؟ وهل يستطيع التحليل التحكيمي أن يكون جسرًا بين لجنة الحكام والجمهور بدلًا من أن يتحول إلى ساحة اتهام دائمة؟

الواضح أن التحكيم المصري يحتاج أكثر من مجرد ردود فعل مؤقتة؛ يحتاج إلى معايير ثابتة، ورسائل واضحة للأندية، وتواصل أفضل مع الجماهير، وتطوير مستمر للحكام وتقنية الفيديو. وبين دعوة جريشة إلى المكاشفة، وتمسك رويز بالإدارة الفنية الداخلية، تبقى النتيجة النهائية مرهونة بقدرة المنظومة على تقليل الجدل داخل الملعب، لا فقط شرحه خارجه.

  • جهاد جريشة أكد أهمية التحليل التحكيمي باعتباره أداة مساعدة لا تضر الحكام.
  • أوسكار رويز تولى رئاسة لجنة الحكام رسميًا في مارس 2025 بعد قرار تعيينه في 21 فبراير من العام نفسه.
  • التشكيل المعلن للجنة في أغسطس 2025 ضم جريشة ضمن الأعضاء.
  • رويـز كان قد شدد سابقًا على أن تعيين الحكام يتم وفق معايير فنية، مع رفض إعلان العقوبات بشكل علني.

في النهاية، فإن تصريحات جهاد جريشة لا تبدو مجرد فضفضة إعلامية عابرة، بل حلقة جديدة في نقاش قديم ومتجدد حول مستقبل التحكيم المصري. وبين الرغبة في الشفافية الكاملة والحاجة إلى حماية الحكم نفسيًا ومهنيًا، ستظل الإجابة الحقيقية مرتبطة بما سيظهر على أرض الملعب خلال المباريات المقبلة في الدوري المصري.