في الصندوق

الزمالك يدرس شركة كرة القدم وسط جدل حول حصة المستثمر

شركة كرة القدم في الزمالك.. مشروع إنقاذ مالي أم تنازل عن السيطرة؟

يتحرك نادي الزمالك خلال الفترة الحالية نحو واحد من أكثر الملفات حساسية داخل القلعة البيضاء، وهو تأسيس شركة كرة القدم كأداة لإدارة النشاط الكروي وجذب التمويل، في ظل ضغوط مالية متراكمة تضرب النادي منذ سنوات. الفكرة في جوهرها ليست جديدة على الرياضة المصرية، لكنها اكتسبت زخمًا أكبر في الأيام الأخيرة مع تزايد الحديث عن شراكة محتملة مع مستثمر خليجي، وسط اعتراضات داخلية تتعلق بنسبة الملكية وحدود النفوذ داخل القطاع الأهم جماهيريًا في النادي.

وبحسب المعطيات المتداولة داخل المشهد الزملكاوي، فإن الصيغة المطروحة تقوم على منح المستثمر الخارجي النسبة الأكبر من الشركة، مقابل التزام مالي سنوي ثابت يخصص لتغطية احتياجات الفريق الأول والإدارة الرياضية، إلى جانب إدارة قطاع الناشئين. هذه النقطة تحديدًا هي التي حولت الملف من مجرد حل استثماري إلى قضية رأي عام داخل النادي، لأن الأمر لا يتعلق بتمويل التعاقدات فقط، بل بإدارة بنية كرة القدم في الزمالك من القاعدة إلى الفريق الأول.

ما الذي يجري تداوله داخل الزمالك؟

النقاش الدائر داخل النادي يدور حول مقترح يمنح المستثمر نسبة 60% من شركة الكرة، على أن يحتفظ الزمالك بنسبة 40%. كما يتضمن التصور المتداول تخصيص ميزانية سنوية ثابتة تبلغ 600 مليون جنيه لقطاع كرة القدم، تشمل الفريق الأول ومتطلبات الإدارة الفنية، مع امتداد مسؤولية الشركة إلى قطاع الناشئين أيضًا. وحتى الآن، لم يُعلن النادي رسميًا اسم المستثمر، كما أن أي صيغة نهائية لا تزال مرهونة بموافقة الجمعية العمومية والجهات الإدارية المختصة.

أهمية هذه التفاصيل أنها تمس مباشرة سؤال السيطرة: من يملك القرار داخل كرة القدم في الزمالك؟ فحين يحصل المستثمر على الأغلبية، يصبح صاحب الكلمة الأوسع داخل الكيان الجديد، حتى لو ظل النادي محتفظًا باسمه وشعبيته وتاريخه. ولهذا ظهرت أصوات داخل مجلس الإدارة وداخل الجمعية العمومية تطالب بألا تقل حصة الزمالك عن 51%، باعتبارها النسبة التي تحفظ الغلبة القانونية والمعنوية للنادي في أي كيان يدير كرة القدم.

انقسام داخل المجلس واعتراضات من أعضاء النادي

الملف لم يمر بهدوء داخل أروقة ميت عقبة. تقارير صحفية مصرية أشارت إلى وجود انقسام واضح بشأن النسبة المناسبة في الشركة، مع تمسك تيار داخل الزمالك بضرورة احتفاظ النادي بالحصة الأكبر أو على الأقل النسبة الحاكمة. كما ظهرت اعتراضات من شخصيات زملكاوية وأعضاء في الجمعية العمومية يرفضون منح المستثمرين نسبة 60%، ويطالبون بشرح كامل لتفاصيل المشروع قبل عرضه للتصويت.

هذا الجدل ليس مجرد خلاف رقمي. المعترضون يرون أن التنازل عن الأغلبية قد يفتح الباب أمام إدارة خارجية تتحكم فعليًا في سياسة التعاقدات وملف الناشئين وتعيين المسؤولين عن الكرة، بينما يرد أنصار المشروع بأن الأزمة المالية الحالية لم تعد تحتمل الحلول التقليدية، وأن ضخ تمويل ثابت ومنظم قد يمنح النادي فرصة لاستعادة الاستقرار التنافسي والإداري.

الأزمة المالية في الخلفية

لا يمكن فهم مشروع شركة الكرة بمعزل عن الوضع المالي الصعب في الزمالك. رئيس النادي حسين لبيب قال في تصريحات إعلامية حديثة إن إجمالي التزامات النادي وصل إلى نحو 3 مليارات جنيه، موضحًا أن الفجوة السنوية بين الإيرادات والمصروفات تتراوح بين 800 و900 مليون جنيه. كما أشار إلى أن الزمالك يحتاج إلى حوالي 300 مليون جنيه من أجل إنهاء أزمة إيقاف القيد وفتح الباب أمام تدعيمات جديدة.

هذه الأرقام تفسر لماذا أصبح ملف الاستثمار في كرة القدم أولوية قصوى داخل مجلس الإدارة. فالنادي لا يواجه فقط عبئًا متعلقًا بالمستحقات والديون، بل يعاني أيضًا من اختلال هيكلي بين موارده ومصروفاته، وهو ما يجعل أي مشروع يضمن تدفقًا ماليًا مستقرًا محل اهتمام فوري، حتى لو كان ثمنه إعادة رسم شكل الإدارة الرياضية.

هل يسير الزمالك على نموذج مطبق بالفعل؟

اللافت أن مناخ الاستثمار الرياضي في مصر شهد خلال الأسبوع الجاري تحركات رسمية في الاتجاه نفسه، بعدما أعلنت وزارة الشباب والرياضة توقيع مذكرتي تفاهم بين إنبي والشرقية من جهة، وبتروجيت ومنتخب السويس من جهة أخرى، تمهيدًا لتأسيس شركتين تتوليان إدارة وتشغيل واستثمار قطاع كرة القدم. ووفق ما جرى تداوله في هذا المسار، فإن نسبة الشريك صاحب التمويل والإدارة في تلك النماذج بلغت 51% مقابل 49% للطرف الآخر، مع بقاء الأمر محصورًا في نشاط الكرة دون المساس بالكيان الاجتماعي للنادي.

الفارق هنا أن الزمالك ليس مجرد نادٍ يبحث عن شريك تشغيلي، بل مؤسسة جماهيرية ضخمة وعضوية واسعة وحساسية تاريخية أكبر بكثير من أندية الشركات. لذلك يبدو نقل نموذج الشراكات الاستثمارية نفسه إلى الزمالك أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا اقترن بمنح المستثمر نسبة تفوق النسبة المعمول بها في النماذج التي أُعلن عنها مؤخرًا.

ما الذي قد تكسبه القلعة البيضاء؟

إذا تمت الصفقة وفق إطار قانوني واضح وضمانات صارمة، فقد يستفيد الزمالك على عدة مستويات:

  • توفير ميزانية ثابتة تساعد على التخطيط الرياضي بعيدًا عن الحلول المؤقتة.
  • إعادة هيكلة قطاع الكرة بصورة أكثر احترافية تشمل الفريق الأول والناشئين.
  • تقليل الضغط على خزينة النادي في ملف الرواتب والتعاقدات والالتزامات التشغيلية.
  • فتح باب الاستثمار طويل الأجل عبر التسويق والرعاية وتطوير الأصول المرتبطة بكرة القدم.

لكن في المقابل، تبقى المخاوف مشروعة إذا لم تُحدد بوضوح صلاحيات الإدارة، وحقوق النادي في القرارات الاستراتيجية، وآليات الرقابة على الشركة، وكيفية توزيع الأرباح، وحدود التصرف في ملفات الناشئين والتعاقدات.

القرار الحاسم لم يصدر بعد

حتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي نهائي من الزمالك يكشف اسم المستثمر أو الصيغة المعتمدة بشكل نهائي. المؤكد فقط أن الملف دخل مرحلة حساسة، وأن أي خطوة تنفيذية ستحتاج إلى المرور عبر الجمعية العمومية ثم استكمال الموافقات الإدارية المطلوبة. وهذا يعني أن الجدل الحالي مرشح للتصاعد، خاصة مع اتساع النقاش بين من يعتبر المشروع ضرورة اقتصادية، ومن يراه مخاطرة تمس جوهر السيطرة على كرة القدم في النادي.

في النهاية، يقف الزمالك أمام معادلة صعبة: كيف يعالج أزمته المالية العميقة دون أن يفقد قبضته على أكثر قطاع يمثل هويته وشعبيته؟ الإجابة لن تكون في نسبة الأسهم وحدها، بل في تفاصيل الحوكمة والشفافية وضمانات حماية القرار الزملكاوي. ولهذا، فإن ملف شركة كرة القدم في الزمالك مرشح لأن يظل في صدارة المشهد الرياضي المصري خلال الأيام المقبلة، بوصفه اختبارًا حقيقيًا لعلاقة الأندية الجماهيرية بالاستثمار الخاص وحدود هذا الاستثمار داخل لعبة لا تحتمل الخطأ.